ابن قيم الجوزية

59

الوابل الصيب من الكلم الطيب

قال أبو محمد بن حزم : وجمعت فتاويه في سبعة أسفار كبار . وهي بحسب ما بلغ جامعها ، وإلا فعلم أبن عباس كالبحر ، وفقه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس . وقد سمع كما سمعوا ، وحفظ القرآن كما حفظوا ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي وأقبلها للزرع فبذر فيها النصوص فأنبتت من كل زوج كريم { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } وأين تقع فتاوى أبن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره ؟ وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق ، يؤدي الحديث كما سمعه ، ويدرسه بالليل درساً فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وبلغ ما حفظه كما سمعه ، وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط ، وتفجير النصوص ، وشق الأنهار منها ، واستخراج كنوزها . وهكذا الناس بعده قسمان . ( قسم حفاظ ) معتنون بالضبط والحفظ والأداء كما سمعوا . ولا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه . وقسم معتنون بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص ، والتفقه فيها . فالأول كأبي زرعة وأبي حاتم وابن دارة . وقبلهم كبندار ومحمد بن بشار وعمرو الناقد وعبد الرزاق ، وقبلهم كمحمد بن جعفر غندر وسعيد بن أبي عروية وغيرهم من أهل الحفظ والاتقان والضبط لما سمعوه ، من غير استنباط وتصرف وأستخراج الأحكام من ألفاظ النصوص . ( والقسم الثاني ) كمالك والشافعي والأوزاعي وإسحق والإمام أحمد بن حنبل والبخاري وأبي داود ومحمد بن نصر المروزي - وأمثالهم ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية - فهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله تعالى به رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأساً . وأما ( الطائفة الثالثة ) - وهم أشقى الخلق الذين لم يقبلوا هدي الله ولم يرفعوا به رأساً - فلا حفظ ولا فهم ولا رواية ولا دراية ولا رعاية . ( فالطبقة الأولى ) أهل رواية ودارية . ( والطبقة الثانية ) أهل رواية ورعاية ولهم نصيب من الدراية ، بل حظهم من الرواية أوفر .